آخر الساعة

ترتيب أهم الدوريات

"معرض الفرس".. دكالة تحتفي بالفُـروسيّة


ان الأمم والمجتمعات لا ترقى إلا بقيمها وأصولها المتجدرة في تاريخها، ولا تكتمل حضارتها إلا باحترام تقاليدها وهويتها. والأكيد
أن الأمة التي تستمد نمط عيشها من غيرها وتقع في التبعية والتقليد تبتعد عن أصالتها وحقيقة وجودها، وتفقد القدرة على الوجود بنفسها؛ ولن تعود مهما اقتضى الأمر إلى أصلها، وذلك لجهلها بمكونات تاريخها.. لهذه الاعتبارات جميعها وجب على الإنسان المغربي أن يهتم بثقافته وموروثه الثقافي الذي خلفه الأجداد وأن يصوغه ويطوره على جميع المستويات، وإكسابه صبغة تتماشى مع أي زمان ومكان. هذه الصيرورة التاريخية كانت ولا تزال تعُـدّ الفرس خير رفيق للإنسان، وكيف وصل هذا الأخير إلى تطويع الفرس، الذي يُعَـدّمكونا أساسيا للثقافة المغربية خصوصا والعربية عموماً. حيث كان الفرس ولا يزال جزء امن حياة الإنسان المغربي، ولا محيد عنه، سواء في الأعمال وأشغال الحياة اليومية، وكذا في الأسفار والحروب، التي أكسبت المغاربة مزيدا من اللحمة والصمود، وهذا ما يتميز به الفرس عن غيره. يقول الرّسُول محمد صلى الله عليه وسلّم: "علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل" ويبين هذا الحديث أنّ للفرس مكانة ودلالة على مر الحقب التاريخية.. من هذا المنطلق، أخذت جمعية "معرض الفرس" بمدينة الجديدة ،التي يترأسها الأمير مولاي عبد الله العلوي، رئيس الجامعة الملكية للفروسية على عاتقها تطوير وترسيخ حب الفرس وحب الموروث عند الناشئة بتأسس لمناسبة سنوية تَجمّع كل عشاق الفرس بمدينة الجديدة، هذا الصّرح الثقافي الإنساني الذي اختير له اسم "معرض الفرس بالجديدة"، الذي أطفأ هذه السنة شمعته الثامنة بمكتسبات ساهمت في إشعاع هذه المناسبة المهمة التي يقصدها عدد مهم من الزوار، الصغار قبل الكبار؛ ويعَدّ الطفل (الناشئة عموما) الحلقة الأهم في صلب اهتمامات المنظمين، إذ خصّصوا لهم أروقة وفضاءات تتماشى مع اهتمامتهم وفضولهم ورغبتهم في اكتشاف عالم الخيولالتعرّف عليه، ومعايَنة أهمية الفرس في حياة المغاربة. وعليه، فمعرض الفرس بالجديدة يعـدّ محطة مهمة في التاريخ والهوية الثقافية وفي الذاكرة الجماعية لكل المغاربة المتأصلين والمولوعين بهذا الفن الأصيل، الذي يجمع بين الشق التقليدي الذي يتمثل في "التبوريدة"، والتي تشدّ أنظار المئات من المتتبعين ومُحبّي هذا الفن التقليدي الأصبل، وأيضا شقه العصري،، المتمثل في في العروض والمسابقات العالمية المتنوعة، الدولية منها والوطنية، التي استأثرت -في دورة المعرض الأخيرة- بمتابعة مهمة داخل قاعة محمد السادس، خاصة خلال المبارة النهائية التي توجت فارساً وفرساً من البرتغال. ومن حسن الصدف أن هذا البلد كان ضيفة شرف دورة السنة الجارية. هي فاعليات تُشجّع تربية الخيل والفرس والتعرّف عن كثب على أهم الحِرَف والمهن المتعلقة بالفرس وبحياة الفرسان، عبر أروقة مخصصة لعارضين ومهنيين وجمعيات متخصصة في الميدان، إضافة إلى أروقة مخصصة للتعريف بتاريخ المغاربة باعتبار الفرس محورَه. وطبعا، لم يكنْ منطقيا أن يكون الفرس موضوع هذا المعرض ويغيب الجانب الأكاديمي،وحيث خصّص المنظمون محاضرات وندوات تناولت مواضيع جمعت عدداً من الدكاترة والمهتمين والخبراء في الميدان. نجاح مهم سجله المعرض في دورته الثامنة، طبيعيٌّ أن نُثمّنه، باعتبارنا متتبعين ومهتمين بالشأن المحلي، ونشد على أيدي المنظمين، كل من موقعه، رغم كل ما قيل عن "انفلاتات" في التنظيم، من جهة، واختناق مروري، من جهة أخرى، وأمور تتعلق بالتواصل مع الجسم الإعلامي، خاصة المحلي.. لكن هذه أمور تقع حتى في الدول الكبرى والعتيدة في التنظيم، لأن الأخير مسألة تشاركية والعنصر البشري عنصر أساسي فيها، ولا بد أن يتحمل -هو الآخر- جانبا من المسؤولية. والأكيد أن هذه النقط ستدخل ضمن محور مراجعة وتقييم حصيلة هذه السنة، لاسيما أن نسخة هذه السنة لها ما لها وعليها ما عليها، نظرا إلى تغيير المكان الأول الذي كان يقام عليه المعرض، في مكان أقل ما يمكن ان يقال عنه إنه متطور وبمواصفات محترمة زادت من جمالية المعرض؛ وهذا ما استحسنه الجميع؛ لكن الوقت كان هو العائق الكبير والتحدي البارز الذي ساهم في هذه المشاكل التنظيمية، خاصة في تأمين السير (حسب ما صرح به معاذ الحامعي، عامل اقليم الجديدة لأحد الإعلاميين). مع كل هذا، سجل معرض الفرس، في نسخته الثامنة، أرقاما مهمة على جميع المستويات، إذ بلغ عدد الخيول التي شاركت 810 أفراس، في حين بلغ عدد زوار المعرض 300.000 ألف زائر.. رقم مهم يفسر مكانة معرض الفرس في أجندة الأسر المغربية، إذ إنّ عددا منها تحملت عناء السفر يوم الخميس، الذي صادف عيدا وطنيا تتعطل خلاله عجلة العمل، وبالتالي كانت مناسبة لهم وقبلة مفضلة لأكتشاف عالم الفرس، الذي يستحق المتابعة بطبيعة الحال.. هذه المعطيات إن اجتمعت كلها فهي تدل على تميز نسخة هذه السنة كثيراً. وفي السياق نفسه، يسهم معرض الفرس أيضا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدينتَي الجديدة وأزمور على وجه الخصوص، إذ يفسح المجال لعدد من أبناء المنطقة، خاصة الشباب منهم، للاشتغال خلال أيام المعرض. ويحق لكل الجديديين والزموريين، على حد سواء، أن يعتزوا ويفتخروا بهذا المعرض، الذي يستحضر سنويا قيمة الفرس وما تزخر به منطقة دكالة. وقد تجاوز هذا الصرح الثقافي العالمي حدود الوطن، بل ارتقى بالمغرب إلى مصاف الدول التي تعتز بأصالتها وبهويتها، وسطرت اسم المدينتين بأحرف من ذهب، كيف لا وقد بلغ صدى هذا المعرض أكثر مما توقعه المنظمون..

بقلم : لحسن الهرز
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق